كرة القدم بين الأمس واليوم.. عندما مات الإبداع تحت وطأة التكتيك

 


لطالما تحدثنا عن كرة القدم الكلاسيكية بحنين جارف واصفين العصر الحالي بالسطحية والتكلف واليوم يبدو أن هذا الرأي لم يعد محصورا في فئة "المحنكين" أو عشاق الأرشيف بل باتت الجماهير الشابة نفسها تعود إلى مقاطع التسعينات تكتشف مهارات لاعبي ذلك العصر وتدرك أنها فاتتها متعة عظيمة.


أحد أهم أسباب هذا التحول في كرة القدم هو الإسباني بيب غوارديولا الذي رغم عبقريته التكتيكية كان له دور كبير في تعقيد اللعبة حينما قدم "التيكي تاكا" مع برشلونة 2009 ، كان الأسلوب ممتعا بفضل مواهب استثنائية مثل ميسي وإنييستا حيث لم يكونو مجرد بيادق في رقعة الشطرنج التكتيكية لكن مع مرور الوقت وقع غوارديولا في فخ فلسفته الخاصة وأصبحت كرة القدم أشبه بالعلوم الدقيقة حيث يسيطر التكتيك المطلق ويتحول اللاعبون إلى آلات منفذة للتعليمات.


ثم جاءت ثنائية ميسي ورونالدو لتزيد الطين بلة فدخلت الإحصائيات على الخط وتحولت كرة القدم إلى أرقام باردة حيث بات المشجع يهتم بعدد الأهداف والتمريرات الحاسمة أكثر من المتعة التي تصنعها المهارات الفردية وانعكس ذلك على اللاعبين والمدربين إذ باتو مقيدين بمنظومات تكتيكية صارمة لا مجال فيها للإبداع وأي مدرب يخرج عن هذا النهج يوصف بـ "التكتيك الضعيف".


أما الجماهير، فقد غيبت رؤيتها المستقلة وأصبحت ترى اللعبة من منظور المحللين الذين يمطروننا بالمصطلحات مثل "البوكس تو بوكس" و"الضغط العكسي" وكأن كرة القدم تحولت إلى محاضرة أكاديمية لا إلى فن حي على المستطيل الأخضر.


لكن الأدهى هو اختفاء لاعبي الشوارع الذين كانو يمتعوننا بلمساتهم الفريدة مثل رونالدينيو والظاهرة رونالدو . اليوم اللاعب يصقل في الأكاديميات ليكون جزءا من منظومة ميكانيكية فلا مجال للمراوغات العفوية أو التسديدات الصاروخية من مسافات بعيدة حتى الحضور الشخصي للاعبين خارج الملعب بات باهتا فلم يعد لدينا نجم بحجم مارادونا الذي كان له رأي وتأثير سياسي حقيقي بينما يكتفي لاعب اليوم بصورة على إنستغرام في أعياد الميلاد فقط .


اسأل نفسك: متى آخر مرة شاهدت فيها هدفا من ركلة حرة مباشرة؟ أو مراوغة لحارس المرمى بهدف جميل؟ هذه المتعة في طريقها للاندثار. اليوم لو أتيت بلاعب مثل ميسي أو رونالدينيو وبدأت تشرح له "الضغط العكسي" سيضحك ويطلب منك الكرة ليفعل بها ما يشاء.


لا أحد ينكر أهمية التطور التكتيكي لكن عندما يصبح اللاعب مجرد آلة أرقام ويفقد المتفرج متعته الأصلية فهنا تكمن المشكلة. وفي النهاية ميسي كان آخر لاعب منح حرية الإبداع داخل الملعب وحين رحل رحلت معه كرة القدم التي أحببناها .

تعليقات